Latest news
التجمع الوطني الديمقراطي السوري:--قصيدة رمزية تصَّور الإحباط العربي

قصيدة رمزية تصَّور الإحباط العربي

عندما نستعمل كلمة (الإحباط)، يكون مقصدنا ليس التوبيخ أو النقد الجارح، وإنما توصيف حالةٍ مستجدة، تجعل الفرد مأزوماً نفسياً، ينظر إلى مستقبله بتشاؤم (غير مبرر غالباً )، فيرى أنَّ مستقبله أضحى نقيضَ ماضيه، وأن خطوته القادمة أصبحت بين العجز واللاإرادية. لذلك عندما نصفه (بالإحباط)، يكون مقصدنا استفزازه كي نؤكد له بأنَّ تلك القوة التي ما تزال كامنة فيه، كفيلةٌ – إن شاء – أن يقوى ليتجاوز تلك الإرهاصات التي تسببت في إحباطه.ونستعرض هنا محاولة شعرية تستعمل الرمز الملحمي في ذاكرتنا الشعبية التي تختزل البطولة والوفاء والصبر والنضال للتحرر متمثلاً في شخصية عنترة بن شداد ذلك العبد الأسود الذي لم ينسبه أبيه إلى اسمه رغم أنه كان سبباً في مجيئه إلى الحياة من مضاجعة جاريته السوداء زبيبة. ولما أحبَّ عنترة ابنة عمه (عبلة) ذات الجمال الباهر والبشرة البيضاء، رفض الجميع زواجهما رغم الحب الشديد بينهما. فقضى عنترة كلَّ حياته يقاتل ببسالة غزوات القبائل ويبعد عنهم الأذى والضرر، كي يبرهن لهم أنه أفضل فرسان العرب وأقدرهم بلاغة في نسج القصائد الملحمية وأشهر أبطال عصره. وبالرغم من كلّ الدسائس والمؤامرات التي واجهت عنترة طيلة حياته، لم يشعر يوماً بالإحباط أو اليأس وبقي بطلاً من رموز الشرف والنضال من أجل الحرية

وجاءت فصيدة الشاعر المصري مصطفى الجزا ر، ليحاكي بها بطولات العرب وعزتهم وكرامتهم التي هُدرت في أيامنا هذه، حيث أصابنا الخذلان بالإحباط وأصبحنا كما يصوره الشاعر برمزية واقعية

 

كَفْكِف دموعَكَ وانسحِبْ يا عنترة فعـيـونُ عبلــةَ أصبحَتْ مُستعمَــرَة

لا تـرجُ بسمـةَ ثغرِها يومـاً، فقــدْ سقطَت مـن العِقدِ الثمينِ الجوهرة

قبِّلْ سيوفَ الغاصبينَ.. ليصفَـحوا واخفِضْ جَنَاحَ الخِزْيِ وارجُ المعـذرة

ولْتبتلـــع أبيـــاتَ فخـــرِكَ صامتــاً فالشعـرُ فـي عـصرِ القنـابلِ.. ثـرثرة

والسيفُ في وجهِ البنـادقِ عاجـزٌ فقـدَ الهُـــويّـةَ والقُــوى والسـيـطرة

فاجمـعْ مَفاخِــرَكَ القديمــةَ كلَّهـا واجعـلْ لهـا مِن قـــاعِ صدرِكَ مقبـرة

وابعثْ لعبلـةَ فـي الشهباء تأسُّفاً! وابعثْ لها في القدسِ قبلَ الغـرغرة

اكتبْ لهــا مـا كنــتَ تكتبُـــه لهــا تحتَ الظـلالِ، وفي الليالي المقمرة

يـا دارَ عبلــةَ بـالشامِ تكلّمــي هـل أصبحَـتْ جنّــاتُ حلب مقفـــرة؟

هـل نَهْـــرُ عبلةَ تُستبـاحُ مِياهُـــهُ وكـــلابُ المجوس تُدنِّــس كـــوثـرَه؟

يـا فـارسَ البيداءِ.. صِــرتَ فريسةً عــبــداً ذلـيــلاً أســــوداً مــا أحقـــرَه

متــطـرِّفــاً.. متخـلِّـفـاً.. ومخــالِفـاً! نسبوا لـكَ الإرهـابَ..صِرتَ مُعسكَـرَه

عَبْسٌ تخلّـت عنـكَ.. هـذا دأبُهـم حُمُــرٌ ـ لَعمــرُكَ ـ كلُّــهـــا مستنفِـــرَة

فـي الجـاهليةِ..كنتَ وحدكَ قادراً أن تهــزِمَ الجيــشَ العظيــمَ وتأسِــرَه

لـن تستطيـعَ الآنَ وحــدكَ قهــرَهُ فالزحـفُ مـوجٌ.. والقنــابــلُ ممطــــرة

وحصانُكَ العَرَبـيُّ ضـاعَ صـهيلُـــهُ بيـنَ الــدويِّ.. وبيـنَ صرخــةِ مُجـبـــَرَة

هـلاّ سألـتِ الخيـلَ يا ابنةَ مـالـِـكٍ كيـفَ الصـمــودُ؟ وأيـنَ أيـنَ المـقـدرة!

هـذا الحصانُ يرى المَدافعَ حــولَهُ مـتــأهِّــبـــاتٍ.. والقـــذائفَ مُشـهَــــرَة

لو كانَ يدري ما المحـاورةُ اشتكى ولَـصــاحَ فــي وجـــهِ القـطـيــعِ وحذَّرَه

يا ويحَ عبسٍ.. أســلَمُوا أعــداءَهم مفـتــاحَ خيـمـتِهــم، ومَــدُّوا القنطــــرة

فأتــى العــدوُّ مُسلَّحــاً، بشقاقِهم ونـفــاقِــهــــم، وأقــام فيهــم مـنـبــــرَه

ذاقـوا وَبَالَ ركوعِهـم وخُنوعِهـم فالعيــشُ مُـــرٌّ.. والهـــزائـــمُ م ُنــكَــــرَة

هــذِي يـدُ الأوطــانِ تجزي أهلَها مَــن يقتــرفْ فــي حقّهــا شـــرّا..يَــــرَه

ضاعت عُبَيلةُ.. والنياقُ.. ودارُها لـم يبــقَ شــيءٌ بَعدَهـا كـي نـخـســرَه

فدَعــوا ضميرَ العُــربِ يرقدُ ساكناً فــي قبــرِهِ.. وادْعـــوا لهُ.. بالمغفــــــــرة

عَجَزَ الكلامُ عن الكلامِ.. وريشتي لـم تُبــقِ دمعـــاً أو دمـــاً فــي المـحبـرة

وعيونُ عبلـةَ لا تــزالُ دموعُهـــا تتــرقَّــبُ الجِسْـــرَ البعيـــدَ.. لِتَــعـــبُــرَه

 


اللوحة من أعمال  أبو صبحي التيناوي «محمد حرب» عام 1884م في حيِّ باب الجابية، زقاق الحطّاب، وهو أحد أحياء مدينة دمشق القديمة لأبوين متوسطي الحال، والده حرب التيناوي كان يعمل في دكان بمنطقة الدرويشية الواقعة إلى الشرق من مدينة دمشق القديمة، حيث يبيع فيه الخردوات والأدوات المنزلية “العصرونية “، وفي الوقت نفسه كان يمارس ضمن محله هواية الرسم الشعبي للوحاتٍ من وحي الخيال والأساطير والقصص الدينية المروية، وما إن ينتهي من رسم لوحاته حتى يحيلها إلى ابنه محمد (الملقب أبو صبحي)، ويترك له أمر تلوينها، وهو ما بات مهنته اليومية بعد عودته من الكتَّاب الذي ألحقه والده به ليتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن. توفي أبو صبحي التيناوي عام 1983 تاركاً لنا تراثاً غنياً من الصور والرسومات التي تحكي عن السيرة الشعبية وأبطاله، وكانت هذه اللوحات تزيِّن جدرانَ المقاهي، كقهوة النوفرة وغيرها من مقاهي دمشق التي تذكِّر بأولئك الأبطال الشعبيين الذين يطلُّون علينا كلَّ مساء من كتاب الحكواتي، وكان لهذه اللوحات التي تعلق على الجدار كخلفية للحكواتي دورُها في إثارة الحمية والحماس لدى جمهور الحكواتي من العامة وغيرهم

By | 2018-02-02T11:55:03+00:00 February 2nd, 2018|Categories: Culture-ثقافة|0 Comments

Leave A Comment

Click Here To Translate »
Comodo SSL