Latest news
التجمع الوطني الديمقراطي السوري:--بشار ما قبل الثورة وما بعدها

بشار ما قبل الثورة وما بعدها

قراءة للكاتب الأستاذ نعيم مصطفى //

لابد لي بداية من القول إنني لا أريد في هذا المقال أن أجعل اليأس يتسلل إلى نفوس السوريين الأحرار والأبطال، وإنما غايتي من ذلك التحليل والتحذير.

ثمة رهاب زرعه الأب الهالك حافظ الأسد في نفوس السوريين لمدة ثلاثة عقود، ما إن تمكن من الانقلاب الذي قام به فيما يُعرف (بالحركة التصحيحية ) وقد أطاح بكل من حوله وتخلى عن أقرب الضباط والمسؤولين الذين رأى فيهم خطر على كرسيه، حتى شرع بتوطيد وتثبيت حكمه الديكتاتوري الاستبدادي، فقد أعدم الحياة السياسية في سورية التي كانت حيوية ونشطة آنذاك عبر الأحزاب السياسية الحقيقية اليسارية واليمينية والعلمانية والإسلامية…وفصّل أحزاب جديدة على مقاسه وتحت جناحه وأطلق عليها أحزاب معارضة، وبقي يتعامل مع الشعب السوري بسياسة التوازن مستخدماً اللين تارة والشدة طوراً إلى أن هيمن على مفاصل الدولة قاطبة وجعل قادة الأمن والجيش من طائفته وضمن ولاءهم المطلق، وبعد ذلك بدأ التفرعن والاستبداد وأطلق يده الظالمة وكشّر عن أنيابه وبدأ يفتك بالشعب السوري مفتتحاً ذلك بقصة حبكها مع مستشاريه وهي اختراع ما يُسمى بالإخوان المسلمين في بداية ثمانينيات القرن الفارط.

فقد ثار شبان غاضبون متحمسون على نظام حافظ  مدركين مبكراً أنه طائفي إلغائي قمعي وكان عددهم لا يتجاوز الثلاثمئة شخصاً، فأباد مدينة حماة بأكملها بذريعة مطاردة أولئك الشبان علماً أن معظم الذين ذكرتهم قد غادروا البلاد قبل الشروع بإبادتها بالأسلحة الثقيلة، وقد كان وراء هذه المجزرة عدة أسباب نذكر منها أن حماة مدينة محافظة وهو من طائفة تكره التدين والإسلام وتحاول مناهضته دائماً، والسبب الثاني أن شعبها عُرف بعدم الترويض فهو شعب ثوري لا يقبل المهادنة على الباطل، وثمة سبب ذلك ذكره بعض المؤرخين والمحللين والمراقبين وهو سبب شخصي، فقد كانت معظم طائفة حافظ الأسد تعمل فلاحين(مرابعين) عند أهل حماة، فأسرّ ذلك حافظ في نفسه وحاول الانتقام من سنن كونية لا تستوجب الحقد والانتقام، فالحياة كلها كانت وما زالت وستبقى رئيس ومرؤوس، ومدير وموظف…وهناك أسباب أخرى لا مجال لسردها الآن…

وقد كانت عائلة حافظ مكونة من أربعة ذكور وبنت، وقد رباهم وأرضعهم لبان البغض والاستبداد والبطش الذي مارسه على الشعب السوري… إلى أن جاء ابنه بشار وارثاً الحكم عن أبيه بعد أن قرأ عليه كتاب (الأمير) لميكا فيلي وأطلعه على مجازره في حماة وإدلب… التي سبقت الإشارة إليها وأرشده لقراءة سير الطغاة في التاريخ، من النمرود إلى فرعون إلى نيرون إلى ما وتسي إلى ستالين إلى هتلر إلى بوت…. إلى حافظ الأسد.

بدأ بشار مسيرته السياسية عند وصوله إلى سدة الحكم بإظهار المرونة والتسامح واللين مع الشعب، وراح يوحي بأنه يؤمن بالحرية والديمقراطية لأنه ذاق طعمها في بريطانية أم الديمقراطية، وعندما اطمأن له الشعب وخًدع بثياب ثعلب الواعظين الذي لبسه، بدأ الشعب يتحرر رويداً رويداً من  عقدة أبيه عقدة الخوف والرعب والهلع التي زرعها في نفوس السوريين، وراح يرفع صوته ويفتح الصالونات المنادية بالحرية والديمقراطية، وإذا ببشار ينقض كالذئب على أولئك المثقفين الذين لم يتجاوز تحركهم السياسي الحوارات وعقد الندوات، وأودعهم في غياهب السجون، فخاف الشعب واستحضر في ذاكرته سجل والده الأسود وانكفأ على نفسه محاولاً اعتزال السياسة إلى حين نضوج المناخ السياسي، وما إن طفقت رايات الربيع العربي ترفرف فوق تونس إلى مصر إلى ليبيا حتى نفض الشعب السوري غبار الخوف والرعب وتجاهل جراحاته المثخنة وأعلن الثورة ضد الطاغية المستبد، وقد مرت الثورة كما نعلم بمراحل مختلفة بين مدّ وجزر وحروب وهدن ومسارات سياسية وعسكرية طويلة عبر ثماني سنين ولا تزال مستمرة، ولكن الأمور آلت إلى رجحان كفة بشار بعد أن وقف بجانبه كل شذاذ الآفاق وكل دول العالم ذات الميول الاستعمارية والاستبدادية والإجرامية.

والآن لنفرض – لا قدر الله – أن بشار استطاع السيطرة على جميع الأراضي والمدن السورية كيف يُتوقع أن تكون إدارته للدولة؟

نحن نعلم أن بشار كان يقود الدولة بالاعتماد الأول على الحلول الأمنية، لذلك كان لديه سبعة عشر فرعاً أمنياً إضافة إلى بعض المناصب المدنية ذات الصبغة الأمنية (رؤساء الفرق الحزبية، رؤساء اتحاد الطلبة الجامعي الخ…) وقد كانت الحياة السياسية شبه ميتة، فالأحزاب السياسية المعارضة شكلية وتحت جناح النظام ولا تسمن ولا تغني من جوع وهي في الحقيقة من صناعة بشار وأجهزته الأمنية، وكان الشعب في حالة يُرثى لها على جميع الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية….

هذه نبذة عن الأوضاع في سورية قبل الثورة.

والآن لو عاد المجرم إلى كرسيه بعد أن اضطرب تحته وكاد أن يفقده ماذا نتوقع أن يصنع؟!

هناك من السوريين المتفائلين جداً يقولون إن الشعب الذي كسر طوق الخوف وتحرر من الذل والعبودية خلال أحداث الثورة لا يمكن أن يذعن لعصا وسيف بشار ثانية لأنه لم يعد يخاف من أي سلاح يمكن أن يشهره، فقد قتل وعذّب وشرّد واغتصب…ولم يعد لديه وسيلة من وسائل الشر إلا استخدمها وجربها بالضحية، ومع كل هذا البطش وهذه الفنون المروعة لم يثنِ كثيراً من الثوار المسالمين والمسلحين من المضي قدماً في الثبات والتصميم على تحقيق أهدافهم التي خرجوا من أجلها، وهذه الرؤية مشروعة وممكنة ونرجو أن تتحقق، ولكن ثمة قراءة أخرى تقول وفق المعطيات التي بين أيدينا أن بشار سيزداد كبراً وزهواً ورعونة وبطشاً وسيجاري فرعون “فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى” النازعات24 إن لم نقل سيحاول بزه في ممارسته للحكم، وأولى إشارات تلك القراءة ظهرت من خلال اجتماع عقده وزير الأوقاف لما يُسمى بعلماء الدين السوريين أعلن فيه أنه عازم ومزمع على محاولة تفسير القرآن الكريم تفسيراً عصرياً وفق رؤية بشار الفكرية، ونحن نعلم أن أخطر شيء وأهم شيء وأكثر الخطوط احمراراً لدى كل السوريين المسلمين وغير المسلمين هو المساس بالدين أو تسييسه أو اللعب به، ولكن وزارة الأوقاف التي يفترض أنها تمثل الدين بدأت بمشروع الانكسار والذل أمام بشار لتبث رسالة الهلع والاستكانة للشعب بأنها تريد أن تخضع الدين – والعياذ بالله – لتحقيق نزوات السفاح، فماذا بقي أهم من الدين والقرآن العظيم؟!!!

ذكرنا في سياق حديثنا أن عدد فروع الأمن قبل الثورة كان سبعة عشر فرعاً إضافة إلى شقيقاتها ذات اللبوس المدنية، وأعتقد أن هذه الفروع إذا ما عاد بشار إلى الهيمنة مرة أخرى وبسط سلطته ستتحول إلى ملايين أي أن كل مواطن سيصبح فرعاً ولا سيما من الموالين والطائفيين والذين لم يخسروا شيئاً أثناء الثورة.

وأعتقد أنه لم يعد هناك أي عائق عائلي أو عسكري أو مدني يمكن أن يعرقل مسيرة بشار في السفك والسفح والاستبداد الجديد، فقد كان قبل الثورة هناك محسوبيات عليه من مخلفات أبيه (آصف شوكت وأمثاله….) وقد أزيلت كل هذه الحواجز من أمامه.

وأختم بمقولة لتولستوي:” من حُسن الحظ أنّ هناك يوماً للقيامة، نقف فيه أمام من هو بكل شيء عليم، وهناك ستفهم كل ما حدث”.


 كل المقالات المنشورة  في هذا الموقع (بصفته منبراً حراً للرأي والرأي الآخر) تعبر عن رأي كاتبيها

By | 2018-08-19T07:19:01+00:00 August 19th, 2018|Categories: Opinion|0 Comments

Leave A Comment

Click Here To Translate »
Comodo SSL