Latest news
التجمع الوطني الديمقراطي السوري:--التحديات التي تواجه تركيا / سورياً / ومخاطرها

التحديات التي تواجه تركيا / سورياً / ومخاطرها

لمزيد من معرفة بيادق الدول وتحركاتها المريبة في مربعات شطرنج سورية الساخنة، نلخص أهم ما جاء في الحوارية الثلاثية التي جمعت (العقيد ريتش أوتزن- وغونول تول- وآرون ستاين) في المرصد السياسي لمعهد واشنطن، منذ شهر ونيف، والتي قدمت إضاءات جديدة على نوايا توغل تركيا في الأراضي السورية وهي على عتبة الإنتخابات المبكرة. وقد حرصنا – كعادتنا- إن ننتقي آراء الخبراء السياسيين التي يندر فيها نفث السموم أو ذات السِمَة الضبابية التي تعطي النص مرونة للتأويلات الحاجبة لحقائق الواقع، مما يؤدي إلى زوغان الفكرة وتشتتيتها خدمةً للجهة المستفيدة من الترويج الاعلامي. وأهمية نشر هذه الرؤى والتحليلات السياسية الصادرة عن أشخاصٍ سمحت لهم مواقعهم لإكتساب خبرات ومهارات في قراءة الأحداث بآلية نفتقدها – نحن- أبناء الشعوب المحكومة بقدر القائد ومشيئة أزلامه. ونعترف بأنَّ الأكثرية منا، مصابون بعَوَز أدوات المعرفة وقاصرون في قراءة الحدث وربطه بعناصر استشراف المستقبل. ولما كان دور البيدق التركي في أحد أهم خانات الثورة السورية، يتوجب علينا استنباط نتائج مستقبل سورية وفق الواقع التركي المتاخم بالأمس والمتداخل اليوم.

ولكي نستطيع الاستفادة من آراء السادة المحاورين الثلاثة، لا بد أن نبين أنَّ إعادة انتخاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لولاية رئاسية جديدة، أعطت الفرصة الذهبية لحزبه “العدالة والتنمية” لمتابعة مشروعه السياسي والاقتصادي و(التمدد الخفي في أراضي الآخرين) الذي بدأه منذ سنوات ليست بالقليلة. ومقصدنا من نشر هذه المقالة، لفتُ نَظرِ معسكر المعارضة السورية المحابية لتركيا، الذي ما فتئ يعتقد أن الرئيس أردوغان هو المُخَلِصُّ الأوحدُ المُتفردُ بقدرته الخارقة على حسم المسألة السورية لصالح المعارضة السورية، واهمين بقوتهِ وحضوره العالمي، وللأسف المرير، فبعد سبعة أعوام من تلاعب الأتراك في قضيتنا، ما زالوا يراهنون على أن النجاح الذي حققه في انتخابه، سيَصُّب في مصلحة ثلاثة ملايين من السوريين المشردين والنازحين في تركيا. ونحن، بمقدار ما نؤيد بعض المواقف الإنسانية التي يُشكرون عليها فعلاً، إلا أننا نراها في ظاهرها نبلاً إنسانياً يعود الفضل فيه إلى أخلاق الشعب التركي الطيب، ولكن من خلال قراءة سياسية متأنية، نرى أنَّ مضمونها يصب في أجندة المصلحة القومية لتركيا. وأحدُ أبرز الأمثلة ذلك التواطؤ التركي ودوره الخبيث في إسقاط حلب بيد النظام، فتلك مأثرة تركية تاريخية سوداء غير مبررة أخلاقياً. فالهنَّاتُ والعنَّاتُ التركية لم تجعل رهان المعارضة (أميناً حسب منطق الحال، رغم أنَّ الواقع وبكل تأكيد، يُفصح بأن الرئيس التركي ليس المُخَلِّصُ القُدوس للسوريين، ولا يريد إنصافهم إلا بما يخدم نواياه الخفية التي تصب فقط في مصلحة بلاده.


رؤية الكولونيل الأمريكي ريتش أوتزن

يبدأ أوتزن حواريته بوصف دقيق للفكر الجيوسياسي التركي المتجذر أصولياً بقوله:

“بعد العمل مع المسؤولين الأتراك عبر الزمن، يشعر المرء أن تفكيرهم الجغرافي السياسي يتمحور حول فكرة أن الأراضي تمنح الشرعية. وتعزز هذه الذهنية المقاربة العنيدة تجاه المياه والأراضي المحيطة – وبالفعل، ازدادت حدة المشاكل في العلاقات الثنائية عندما أصبحت الولايات المتحدة أكثر نشاطاً في المناطق المجاورة”.

وبحكم عمله في “فريق تخطيط السياسات” في وزارة الخارجية الأمريكية، فإنه يرى أنَّ:

العديد من المسؤولين الأمريكيين لا يزالون يعتبرون الشراكة مع «وحدات حماية الشعب» على أنها خطيرة، ولكن تلك كانت وجهة نظر تركيا وروسيا منذ أن بدأت الجماعة تكتسب الشرعية.

وبعد سردٍ مفصل لبعض الإرهاصات الحاصلة مؤخراً يقول:

وفي النهاية، تريد واشنطن أن تقوم الحكومة السورية بإعادة بسط سيادتها في جميع أنحاء البلاد في أعقاب حدوث انتقال سياسي بمعزل عن نظام الأسد، لكن خفض مستوى التواجد العسكري الأمريكي يشكل هدفاً مركزياً ايضاً. ويكمن التحدي في كيفية التوفيق بين هذه التناقضات.

ويعود بنا للتذكير بالأدوار التي لعبتها تركيا في التسعينيات من القرن الماضي، قائلاً:

لقد كانت القوات التركية تنشط في شمالي العراق منذ عام 1992، لذا فهي ترغب في البقاء في سوريا إلى حين بروز وضع سياسي يبدد مخاوفها الأمنية بالحدّ الأدنى. وكان هناك العديد من المفاهيم الخاطئة لدى المسؤولين الأجانب إزاء مكانة أنقرة وقدراتها قبل عملية عفرين.

أولاً، اعتقد الكثيرون أن تركيا لن تتخذ إجراءً قوياً في سوريا لكن تعيّن عليها القيام بذلك بعد أن استنفَذت الخيارات الأخرى.

ثانياً، شككوا في تحقيق تركيا نجاحاً في عملية عفرين لأن جيشها كان في حالة من الفوضى بعد الانقلاب الفاشل وحملات التطهير اللاحقة. ومع ذلك، كانت أنقرة على استعداد تام للقيام بمهمة ناجحة لأنها تعلمت من أخطائها في عملية «درع الفرات».

ثالثاً، رأى الكثيرون أن دمشق وروسيا قد تمنعان أنقرة من استخدام المجال الجوي السوري، لكن موسكو وافقت على ذلك بعد اجتماعات ثنائية مع مسؤولين أتراك في كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير.

رابعاً، لم تقع بتاتاً أزمة إنسانية ضخمة أو إصابات مدنية كبيرة كما اعتقد البعض بأنها ستحدث في عفرين.

ويَعرِض في مجرى حواره رؤيته حول العلاقة الثنائية (المتأرجحة حالياً) بين الولايات المتحدة وتركيا،فيرى أنَّ:

منبج تُعتبر النقطة الرئيسة في العلاقات الثنائية، حيث اتفقت أنقرة وواشنطن على أنه يجب أن تخضع المنطقة لحكم السكان المحليين عوضاً عن «وحدات حماية الشعب». ومن غير المرجح إلى حدّ كبير أن تقوم تركيا بتوسيع عملياتها العسكرية هناك، لكن القضايا الأكبر المطروحة على الطاولة قد تكون مبعث قلق. وينفذ صبر المسؤولين الأمريكيين إزاء أنقرة ليس لأنهم يتجاهلون آراءها فحسب، بل لأن الكونغرس لم يعد يرغب في التسامح مع الاستفزازات المتوقعة مثل شراء منظومة “أس-400” من روسيا، واعتقال موظفين في بعثات أمريكية في تركيا، وسجن القس برونسون. ولا تتمثل المشكلة الرئيسية في منظومة “أس-400” بالصواريخ التي تضمها، بل برادارها الذي قد يسمح لروسيا بمراقبة بعض التقنيات الأمريكية الأكثر تطوراً.

وحسب خبرته العميقة في آلية تفكير المطبخ السياسي للقطب الأمريكي الأوحد، يؤكد الكولونيل بأنَّ:

*** الولايات المتحدة قوة عظمى ولن تقبل بأي تهديدات مباشرة لمصالحها أو بإبقاء مواطنيها في السجون، لذا لا يجدر بتركيا أن تقلل من شأن الأثر المحتمل لأفعالها.

***على الرغم من أن العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا شملت عقود من النوايا الحسنة يعود تاريخها إلى الحرب الباردة، إلّا أنّ الانكماش الحالي يهدد هذه العلاقة بشكل خاص.

***ويحاول المسؤولون من كلا الجانبين الحدّ من الأضرار والعمل على تخطي هذه الصعوبات. إن التاريخ الدبلوماسي حافل بأمثلة عن كوارث تمّ تجنبها، لكن أيضاً بفرص ضائعة لتعاون لا يقدر بثمن.

***وأنَّ المفتاح إلى تجنب هذين الخطرين هو الدبلوماسية الصبورة، التي توفر الأمل في الحفاظ على تفاهم مشترك في المستقبل.


رؤية غونول تول

إعتمدت غونول على استطلاعات الرأي المتعلقة بالإجراءات التركية العسكرية داخل الأراضي السورية وتبين لها ما يلي:

أنَّ 80 في المائة من الأتراك يدعمون عملية “غصن الزيتون” – ذلك التوغل العسكري الذي نفذته أنقرة في شمال غرب سوريا. ولعل الأمر الأكثر غرابة هو أن 90 في المائة من المستطلعين يعتبرون أن الولايات المتحدة تشكل تهديداً للأمن القومي [التركي]. وتنبع هذه المشاعر من قرار واشنطن عام 2014 بإسقاط أسلحة عن طريق الجو إلى «وحدات حماية الشعب»، الجماعة الكردية السورية المتحالفة مع «حزب العمال الكردستاني» – عدو تركيا منذ زمن طويل. كما أن رفض الولايات المتحدة تسليم المتهم الرئيسي بتخطيط الانقلاب فتح الله غولن يطرح أيضاً مشكلة لكثير من الأتراك.

وأنَّ السبب الرئيس لتغوّل القوات التركية إلى ما وراء حدودها السياسية الجنوبية كان استباق الانتخابات في تركيا وأوضحت بالتفصيل ما يلي:

وكان السبب الرئيسي الذي دفع أنقرة إلى إتمام عملية عفرين هو تعزيز سمعة الرئيس رجب طيب أردوغان قبل الانتخابات المبكرة، المقرر إجراؤها في 24 حزيران/يونيو. وتتجه كل خطوة من سياسته الخارجية نحو السياسة المحلية، كما أن عفرين اعتبرت بمثابة نجاح على الصعيد المحلي لأنها مكنته من جعل تركيا طرفاً فاعلاً في سوريا.

ومن الناحية الجغرافية -السياسية، أرادت الحكومة التركية التحرك لأنها وجدت نفسها معزولة ومخذولة في سوريا وسط تعزيز التحالف بين الولايات المتحدة و«وحدات حماية الشعب». وبعد أن أعلنت واشنطن أنها ستدعم قوة حدودية قوامها 30,000 فرد بقيادة «وحدات حماية الشعب» والميليشيات الزميلة لها في «قوات سوريا الديمقراطية»، استنتجت أنقرة أن علاقة الولايات المتحدة مع الأكراد لم تعد انتقالية فحسب. وبدا أن روسيا تكن المشاعر نفسها وسرعان ما مَنحت تركيا الضوء الأخضر لإطلاق عملية “غصن الزيتون”.

ولما كان حساب القرايا غير حساب السرايا، تصَرَّف الأتراك على النحو التالي:

ونتيجة منح الروس الضوء الأخضر لتركيا، علقت الأخيرة كل آمالها على روسيا، ولا تزال الشريك الأضعف في العلاقة الثنائية. وتشير دلائل قيام أفراد القوات التركية ببناء مكاتب بريد وتعليم لغتهم الأم في المدارس السورية أن أردوغان يريد البقاء في سوريا لفترة طويلة، لكن الكلمة الفصل تبقى لموسكو. وبالفعل، أشارت روسيا إلى ضرورة انسحاب تركيا من المنطقة، كما بعثت إيران رسائل مماثلة.

وعندما لاح للأتراك اهتزاز عصا الصولجان الأمريكي فوق رأس من يتمرد على مصالح أمريكا، لجأت تركيا إلى محاولة مسك العصا من المنتصف:

ورداً على ذلك، حاولت أنقرة على ما يبدو إعادة التوازن إلى علاقاتها مع واشنطن من خلال دعم القصف الذي قادته الولايات المتحدة مؤخراً ضد منشآت الأسلحة الكيميائية السورية، رغم أنها لم تسمح باستخدام “قاعدة إنجرليك الجوية” في تلك العملية. وعلى نطاق أكثر اتساعاً، سيحاول أردوغان على الأرجح الاستفادة من المشاعر القومية التي بلغت ذروتها في البلاد منذ عملية عفرين من خلال المضي قدماً بالتدخل قبل أن تضغط عليه موسكو للانسحاب.


رؤية آرون ستاين

يرى آرون – وهوكبير الباحثين في (Atlantic Council – مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط)- أنَّ أهم أسباب تكأكؤ تركيا في الأزمة السورية هو الأوضاع الأمنية الصعبة التي تمرُّ بها البلاد، حيث لخصها بما يلي:

أظهرت عمليات تركيا في سوريا عدم ترابط استراتيجي معيّن، إذ تتأرجح أنقرة بين التصرف بمفردها والعمل كملحق للتحالف السوري-الإيراني-الروسي. فالعوامل التي تقود سياستها تتعلق معظمها بالأمن. وقد جدّد «حزب العمال الكردستاني» نشاطه في تركيا منذ تموز/يوليو 2015، وتصمم أنقرة على منع الجماعة الإرهابية من الحصول على ملاذ آمن. وخلافاً للقادة الأوروبيين، يَعتبر أردوغان تنظيم «الدولة الإسلامية» على أنه مشكلة تتعلق بإنفاذ القانون بينما يرى «حزب العمال الكردستاني» على أنه مشكلة عسكرية. ووفقاً لذلك، دمرت القوات التركية بعض ملاذات هذا «الحزب» في سوريا وتهدد بالقيام بالشيء نفسه في سنجار بالعراق.

بيد أنَّ التنازلات الأمريكية التي فُرضتها ظروف القتال التركي / الكردي الموالي لأمريكا، أجبر واشطن على الرضوخ لبعض التنازلات – غير المتوقعة – وغض الطرف عن التوغل التركي، ويفسر آرون ذلك بقوله:

لقد أحرزت كل من عملية “غصن الزيتون” وعملية «درع الفرات» – التي هي توغل تركيا السابق في سوريا، تقدماً كبيراً بما يكفي لتقسيم «وحدات حماية الشعب» وإرغامها على التراجع. وتصب الولايات المتحدة تركيزها على هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» ولديها شريك سوري واحد فقط لهذه المهمة، وهو «قوات سوريا الديمقراطية». غير أنه يتعين على واشنطن أيضاً أن توازن بين الدعم الذي تقدمه لهذا الشريك وبين الاعتبار الذي توليه إلى تركيا – الدولة الزميلة العضو في حلف “الناتو”. وقد نجحت عمليات التوغل التي نفذتها أنقرة لأن الولايات المتحدة أخذت تبتعد تدريجياً عن «قوات سوريا الديمقراطية»/«وحدات حماية الشعب»، حيث استنتجت واشنطن على ما يبدو أنها لا تستطيع تحقيق كافة أهدافها لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا من دون تقديم تنازلات إلى تركيا. وقد أصبحت حالياً مدينة منبج التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» محور المحادثات الأمريكية -التركية، وسوف تحاول أنقرة مرة أخرى انتزاع تنازلات من واشنطن.

لكن طموح الجانب التركي لتحصيل ما أمكنه من ثمار في هذه المعمعة، بدأ يُقصِرُّ من عمر هذا التعاون (القسري) بين واشنطن وأنقرة بسبب التصرفات التركية الطموحة:

ومع ذلك، يتقلص مسار التعاون الثنائي بسبب عدد من المشاكل المتفاقمة، بما فيها إعلان أنقرة عن نيتها شراء أنظمة الدفاع الجوي “أس-400” من روسيا وقرارها القاضي بملاحقة القس الأمريكي أندرو برونسون بتهم الإرهاب والتجسس. ويتمثل أحد مخاوف واشنطن إزاء عملية بيع منظومة “أس-400” من إمكان دمج المنظومة الروسية في النهاية ضمن نفس شبكة البيانات العسكرية، كما حصل مع الطائرات الأمريكية من طراز “أف-35” التي نُقلت إلى تركيا، مما أحدث انتهاكاً أمنياً. وقد نقلت واشنطن مثل هذه المخاوف مراراً إلى الحكومة التركية، إلّا أنّ أنقرة لم تستمع إليها – وهو مؤشر على أن تعاون روسيا قد يأتي مرتبطاً بشروط سياسية.


وفي ختام هذا المقال، نحب أنْ نُذكر فريق الدُهماء من المعارضة المحابية لطموحات الأتراك -من حيث يدرون أو من حيث جَهلوا- أن وثائق الخزينة التركية التي تُقرُّ كل عام ميزانية المحافظات والمدن التركية، تحوي في متنها على فقرة تَخُصُّ بها مدينة حلب، لإعتبارهم أنها سنجقاً عثمانياً، تتمسك به حتى اليوم، وتكتب في الحقل المخصص لمبلغ الميزانية (غير متوفر بعد). وهذه الوثائق منشورة في معظم مؤسساتها الحكومية وبعضها مشهوراً في لوحة الاعلان في مقر رسمي للحكومة التركية (كالذي في مدينة بورصة).

فلكلِّ حَدَثٍ في هذا الكون مُسَبب، ولكل تصَرفٍ هدف، وليس كلُّ ما يُسعى إليه يُعلن. فليفهم دُهماء المعارضة (المُسْتترِكين / المُأردغين) هذا الأمر، وليتقوا ربهم إحتساباً.

Leave A Comment

Click Here To Translate »
Comodo SSL