Latest news
التجمع الوطني الديمقراطي السوري:--لا مَفرَّ ولا مَندوحَة للسوريين عن متابعة ثورتهم

لا مَفرَّ ولا مَندوحَة للسوريين عن متابعة ثورتهم

 تتزامن كتابة هذا المقال مع تسارع رحى طواحين المصالح الدولية في طحن جُلمود الثورة السورية، لتجعله هَباباً منثوراً في أرجاء القارات السبع، التي وطأتها أقدام السوريين المهجرين قسراً، تاركين وراءهم شهداءهم ودمار بيوتهم ونهب ممتلكاتهم. وتتزامن أيضاً مع وصول بعض المنغمسين (أفقياً أو عمودياً) بشؤون الثورة إلى استنتاجات يشوبها بعض من الإحباط الذي نفثته كالسُمِّ تصريحات الروس و دي ميستورا وما شاكله من تصريحات لقادة الدول المتصارعين على حلبة المسرح (السوري) وفق سُنَّةِ البقاء للأقوى، حتى أصبح عَصيَّا على شرفاء المعارضة أَنْ يتمترسوا في خندق واحد ورسم خارطة طريق للخلاص ذات أبعاد موحدة. وفي لُجَّة هذه الصراعات المشروعة – ومنها غير المبرر أحياناً – ، نجد اليوم تراكُمَ مئات المبادرات والمشاريع المتباينة في طروحاتها، رغم أنَّ جوهرها يندرج تحت عوان واحد هو (استعادة الشعب السوري لحريته وسيادته كي يُعيد بناء الدولة الوطنية الجامعة، المصانة بدستور يحقق العدل والمساواة والازدهار).

ولما كان الإنسان بوعيه المتميز بالاصطفائية، مقيداً (جزئياً) بخبراته الموروثة من تجارب أسلافه من البشر، أصبح يَصيغ دولاً مستنسخة من جينات ( معاهدة صُلح وستفاليا – Peace of Westphalia )   التي أنتجت أول الدول (المعاصرة) وفق مفهوم السيادة الذي بني عليه مفهوم الدولة الأوروبية الحديثة. وأصبح المفكرون والساسة الغربيون يتمسكون في هذه المفاهيم ويقيسون عليها أية مشاريع أو خريطة طريق يتبناها أي من الفرقاء المنغمسين في إيجاد حلٍ سياسي للأزمة السورية. وهذه هي نقطة التصادم التي تتشظى عندها المبادرات والمشاريع الوطنية، لأنَّ الطفرة الجينية التاريخية التي أنشأت تلك الدول الغربية المعاصرة لا تتشابه البتة مع الحالة السورية الراهنة، لأنَّ الصراع في ساحتنا في جوهره غير محكوم بالعصبيات الدينية والخلافات الطائفية كالتي كانت تسود قبيل (صلح وستفاليا). لذلك، فإن الطروحات (الوطنية السورية) لن تلقى استحساناً ودعماً من الغربيين المؤمنين بأَنَّ التسوية في (سورية التي لم تشهد حروباً دينية وطائفية في السابق) تحتاج إلى خارطة طريق جديدة، من خلال مؤتمر موسع تشارك فيه كل القوى، على غرار ما حدث في المدينتين الواقعتين بإقليم وستفاليا الألماني، أسنابروك (Osnabrück) ومونستر (Münster)، وذلك لفرض سيادة مشروطة لضمان الوئام الداخلي، وضمان التعايش الديني وحتى العِرقي، باعتباره الأساس السياسي لأي تسوية. (وتفسر ما أرمي إليه الإرهاصات الفاشلة التي تتوجت بها كل المؤتمرات الدولية والأممية – جنيف- وسواها).

وكلما انخرط (التجمع الوطني الديمقراطي السوري) في حوارات مباشرة مع الساسة الغربيين، نحاول أن نُبين لهم جوهر الأزمة السورية وأسباب انطلاق ثورة الشعب السوري التي نادت منذ اليوم الأول بأنها تنشد إجراء إصلاح إدارة البلاد بدون فساد أو قمع للحريات وانفاق الموارد الوطنية على مشاريع تجلب الازدهار والكف عن سرقتها من قبل النظام السائد. وكان الثوار ينادون بالسلمية وحماية وحدة المجتمع السوري وجغرافيته الموحدة. ونبين للأوربيين وسواهم أّنَّ تطبيق أسس ومفاهيم تلك المعاهدة المذكورة التي جمعت بين إقرار مفهوم السيادة والمنظومة العلمانية في أوروبا، التي صاغت دولهم لا تتشابه أحكامها مع الحالة السورية، لأنهم  لم يصنعوا السلام والأمن بفضل تسامحهم الديني بل كان قد حُسم بقوة السلاح خلال الحرب، وأَنَّ  الهجرات الواسعة للمذاهب الدينية المختلفة من المناطق التي كانت فيها أغلبية مذهبية متصارعة، أدت إلى فرز دول تتميز بالتجانس الديني المهادن لسيطرة القوانين والدساتير الوطنية التي تتسم بالعلمانية (كمصطلح وُلدَ إبان تلك الفترة).

ونؤكد في حوارنا دائماً أنَّ إيمانهم الفكري وتبنيهم تلك الأسس، لا يجدي نفعاً في تطبيقه على (المرض السوري) لأنَّ تشخيصهم كان بعيداً عن ملامسة المرض. وإنَّ تذرعهم بوجود إسلامٍ متشدد (الإرهاب) ما هو إلا عَرَضٌ (فيروسي) استخدمه النظام لخلط الأوراق وليست حالةً مرضيةً مُستدامة.واليوم وبعد أن توسعت هذه الإرهاصات حتى لم يعد لها حدوداً تؤطرها، لا بدَّ العودة إلى واقعنا الراهن لتحديد سبل الخلاص والوصول بالثورات في عالمنا العربي وباقي دول الإقليم إلى غاياتها المنشودة في الحريّة والتحوّل الديموقراطي وبناء دولة القانون الوطنيّة الاجتماعية التعدّدية العلمانيّة الجامعة، فإنّه لابدّ من أن يتوحّد الديموقراطيّون، الملتزمون معاً عن حقٍّ فكراً وسلوكاً وممارسةً ومنهجاً – من يساريين وقوميّن وإسلاميّين وليبراليّين، على اختلاف مشاربهم وأديانهم ومذاهبهم وأعراقهم وإثنيّاتهم – وأن يسعوا جاهدين لتشكيل جبهة عريضة موحّدة في الداخل والخارج، لمواجهة قوى الثورة المضادّة الباغية والمؤلّفة من: الأنظمة العربيّة الدكتاتوريّة جميعا، من جمهوريات وملكيات وأمارات والميلشيات التي توظفها للقضاء على شعلة الثورة الشعبيّة في عموم العالم العربي ووأدها في مهدها، والأنظمة الدكتاتورية في الإقليم (الشموليّ الثيوقراطي في ايران والسلطوي في تركيا والاستيطاني في إسرائيل وميليشياتها)، والدول الكبرى النافذة عالمياً (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الروسي وعملائهم) مجتمعين مع اختلافاتهم وخلافاتهم على وأد انتفاضات شعوب المنطقة​ وتطلعاتها من أجل التغيير الجذري مرة واحدة والى الأبد. ومع الأخذ بالاعتبار فشل المعارضة السياسيّة في الخارج في تجسيد أهداف وتطلعات الجماهير الشعبية الحقيقية وتحسّسها لنبضها الثوريّ لبعد المسافة بينهما بالفكر والممارسة والرؤية، وعدم تجانسها بالإضافة إلى ارتهان معظم مكوناتها للآخرين من جهة، ومن جهة أخرى تأدلج المعارضة المسلحة في الداخل وارتهانها لمموّليها وحرف الثورة عن مسارها الأصلي في محاربة الطغيان والاستبداد بكل أشكاله وتجلياته التدميريّة ليأخذ صورة حروب مذهبيّة على السطح تعود إلى قرون مظلمة غابرة. فلم يبقى أخيرا أمام الديموقراطيين (الحقيقيين)، الذين هم من المفكرين المتنورين، والناشطين الاجتماعيين الثوريين، وطلائع المجتمع المدني التقدّمي الوليد، سوى التوحّد والعمل على تنشيط “حركة تنوير” حقيقية من الجذور. إنَّ هذا الموضوع الحيويّ والمصيريّ والضروري لا يحتمل التأخير، بل يحتاج إلى بداية موضوعية وعقلانية ونقاش هادف مستفيض.

واللقاء – مفتوح ومرحب به – مع كافة الوطنيين الشرفاء من كل الأطياف والمشارب الذين لا بدَّ أن يجتمعوا لينتجوا هكذا “مشروع فكري وتنظيمي تنويري” يبدأ من مكان آمن في إحدى عواصم الاتحاد الأوروبي باعتبارها أكثر بقاع الأرض أمانا وإخلاصا لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانيّة.

ألا يجب علينا النَفرَةَ الموَحَدة بعد أكثر من مليون شهيد ومصاب، وتشريد الملايين قسراً في الداخل وإلى الخارج… فلنبدأ ونتوكل على الله وعلى ضميركم الوطني.

Leave A Comment

Click Here To Translate »
Comodo SSL