Latest news
التجمع الوطني الديمقراطي السوري:-, السياسية-Politics-بحث قانوني في شروط الديمقراطية

بحث قانوني في شروط الديمقراطية

 اعداد المحامي رائد غنوم

 

حول الديموقراطية

سنة وعشر شهور مضت تقريباً على بدء الثورة السورية المباركة، قام خلالها النظام السوري بكل ما يستطيع لجر الثورة إلى العسكرة والدفع باتجاه التجييش الطائفي البغيض كاستراتيجية لتحييد الثورة عن أهدافها الأولية في الحرية وبناء الدولة القانونية الديموقراطية، وبالنتيجة كَســرِ شوكتها و إنهائها. وبدا واضحاً أن أهم نقاط قوة الثورة هي هذه الأهداف التي قامت عليها، والتي – هي بذاتها – شكلت أكبر نقاط ضعف النظام، لكونها النقيض له. النقيض الذي يشكل الأجندة الخاصة بالشعب السوري، النقيض الذي لم تتوافق عليه جميع القوى الدولية، حيث عملت على إجهاضه بالتخلي عن مؤيديه من الثوار والمعارضين تارةً، و كذلك بدعم القوى المناهضة له تارةً أخرى، عبر حرف الخطاب السياسي للثورة وأسلَمَتِها، والتخلي عن دعم الحاضن الشعبي لها، وتركه يعاني تحت ضربات النظام وقصفه وعمليات التهجير والقتل الممنهجين، ورفع وتيرة التجييش الطائفي والتطهير العرقي التي يقوم بها، والسماح بتسلل بعض المقاتلين الأجانب إلى الداخل السوري والتركيز عليهم وتضخيم صورتهم لتقويض كل القوى الثورية واستنزافها في معارك بينيّة، فبعد سنةٍ وعشرة أشهر على بدء الثورة السورية وأكثر من ستين ألف شهيدٍ تم توثيق أسمائهم، وعدد غير معروف من الجرحى والمعاقين والمعتقلين وخراب أحياء وقرى، وأكثر من مليوني ونصف مهجّر وآلاف نقاط التظاهر الدوري يبدو كاريكاتورياً اختزال كل هذا المشهد بقتال عسكري بين جيش النظام ومقاتلي جبهة النصرة

كل ذلك يستدعي منا التذكير والتنظير للثورة على أسس واضحة للعمل على وضعها على السكة الصحيحة والتمسك بالأجندة الوطنية للثورة والتفكير بالحلول الكفيلة بذلك

بادئ ذي بدء، أودّ أن أنوّه إلى أن الطائفية هي مقتل الثورة السورية، الطائفية التي عمل النظام عليها كمشروع دفاع عن بنيته الديكتاتورية في وجه الثورة،  وبنى استراتيجيته على تحويل النضال الشعبي من أجل الحرية إلى اقتتال طائفي يشق المجتمع ويحد من اندفاعاته الثورية، وهنا ألفت النظر إلى نقطتين هامتين أقترح تبنيهما للتعامل مع القضية الطائفية

الأولى وهي الاقرار بوجود فكر طائفي اقصائيّ عميق ومتجذر في المجتمع السوري ينبغي تحليله ودراسته ومعرفة أسبابه وطرق التخلص منه، والانطلاق من هذا الاقرار لايجاد الحل، فالحل لا يكون بالتغاضي عن وجود الطائفية أو التعامل مع هذا الموضوع بنفاق سياسي اجتماعي بحجة الدفاع عن الثورة والمجتمع السوري والتغني بموزاييكه الطائفي.

 والثانية هي أن الفراغ السياسي الذي افتعله النظام على مدى خمسين عاماً وسياسات التجهيل التي أسس لها وعمل عليها والتي قامت على قتل الفكر وقمع الحريات السياسية والدينية، وبالتالي منع التفاعل الثقافي وتداول الأفكار وتفاعل المجتمع معها، كل ذلك أبقى على الفكر الطائفي في سبات عميق وغطاه بقشرة مزيفة، ما منع نضوج أو توالد أية نتائج أو أفكار جديدة على صعيد الفكر الديني خصوصاً، والحريات عموماً، أفكارٌ كان من الممكن أن تكون ثقافة وقراءة جديدة تحمي المجتمع من خطر الاقتتال الطائفي

ومن هنا أجد أن من الأولويات المهمة بناء تصور واضح لشكل النظام السياسي القادم وبلورة رؤية نهائية واضحة عن الدولة القانونية والمشروع الديموقراطي في سوريا كحل حقيقي وجذري يتوافق مع أهداف الثورة السورية التي قامت عليها لتحقيق الحريات والعدالة الاجتماعية وحماية الحقوق وبالتالي تحقيق الأمن القومي والقانوني لسوريا والحفاظ عليها من الأخطار المحدقة بها. حقيقة الأمر أن الحال الذي آل إليه مصطلحا المدنيّة والديمقراطيّة محزن، إذ أنه يزيد المشهد السياسي اختلاطاً ويُبعد الشعب السوري عن القدرة على وضع يده على مفاتيح الحلول والمداخل التي تمكنه من الحفاظ على سوريا واحدة، دولة قانونية ديموقراطية تحترم مواطنيها وتتعامل معهم على قدم المساواة وتحقق لهم العدالة الاجتماعية

فقد امتلأت الساحة السورية بالتيارات السياسية التي تنادي بالديمقراطية كوصفة جاهزة للتطبيق دون النظر بشكل واعٍ ومدركٍ في شكل النظام السياسي للدولة  بالدرجة الأولى، وفي شكل هذه الديموقراطية وآلياتها وتناسبها مع مجتمعنا وقبوله لها كحل سياسي مفترض لبناء الدولة السورية المنشودة

ولنا أن نلاحظ عدة وجهات نظر يتناولها الشارع السوري، فهناك من يضع عناوين ديمقراطية لطروحات إسلامية، وهناك من يتبنى الديموقراطية كمفهوم سياسي عام يتطرف له على أساس أنه نقيض للدين وتكريس للعلمانية وكأنها مذهب ديني وليس سياسي.

وهناك من يحمل رؤيةً أكثر توازناً ويؤمن بعالمية التجربة الديمقراطية ويؤكّد ضرورة مراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية، هذا ناهيك عمن لايريد قراءة التجربة الديمقراطية أساساً ويكفر بها على اعتبار أنها منتج غربي مشكوك بأمره

ونظراً لاستحالة تقليص مفهوم التنمية السياسية في الدولة (بما تعنيه لناحية التداول السلمي للسلطة والمفهوم الديموقراطي) إلى مجرد تنمية اقتصادية واجتماعية وثقافية، وعلى اعتبارها تنمية قانونية أيضاً، فإننا نستطيع أن نعبر عن احتياجنا اليوم إلى دولة قانونية تتلازم مع مشروعية السلطة وحماية الحريات العامة والخاصة وحقوق المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية، وبمعنى آخر نحن بحاجةٍ إلى الدولة القانونية الديموقراطية المؤسسة على نظام مدنيّ من العلاقات التى تقوم على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة فى الحقوق والواجبات، إن هذه القيم هي التى تشكل ما يطلق عليه الثقافة المدنية انطلاقاً من أن المجتمع المدني في الدولة القانونية شريكٌ مساوٍ للدولة التي تعتمد الشفافية والمصداقية في أفعالها التي تبنى بدورها على تبريراتٍ منطقية كشرط أساسيّ لازمٍ من شروط قيامها

فالمجتمع المدني بحاجة إلى وجود دولة قانون لها دستورها النافذ ومؤسساتها وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية بدرجة من الاستقلال والنزاهة والتكامل والحيادية. دولة مؤهلة لرعاية المصلحة المجتمعية العامة والدفاع عنها، ومتوافرة على نظم وتشريعات وآليات عمل من شأنها أن تستوعب التنوع القومي والديني والطائفي، وتكفل بالتالي تحقيق المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون من حيث الحقوق والواجبات والمسؤولية والحريات العامة وسلامة الأفراد والجماعات . وهي البديل عن سلطة قائمة على الدكتاتورية التي تتجلى بالاستثناء والأحكام العرفية والأجهزة الأمنية والحزب الواحد والتفرد بصنع القرار والإلزام والإكراه ونهب الثروات والفساد والإفساد والترهيب والترغيب والمحسوبيات، التي تشكل بمجملها عناصر استمرار بقائها. وبقدر ما تسعى دولة كهذه إلى تنظيم شؤون مواطنيها واحترام حقوقهم وتلبية حاجاتهم ومصالحهم الحيوية المشتركة وإبقاء سلطتها السياسية ضمن الأطر المحددة في الدستور والقوانين، بقدر ما تنشأ علاقات مواطنة فاعلة ويتعزز الانتماء وتتماسك الوحدة المجتمعية بالوعي والمصلحة في آن معاً

 إن مفهوم دولة القانون ومضمونه هو من المفاهيم ذات الدلالات المختلفة باختلاف بعدي الزمان والمكان، أي بمعنىً آخر حسب السياق التاريخي والثقافي للأمم أو المجتمعات التي أنتجت هذا المفهوم، ولذلك فإن المصطلحات المعبرة عن مفهوم دولة القانون لها صيغ مختلفة ترتبط بالتكوين التاريخي والثقافي للشعوب، إلا أنها تشترك فيما بينها في تحديد المفهوم العام لدولة القانون

ويمكننا تحديد المفهوم العام لدولة القانون، بأنها الدولة التي تخضع وتتقيد في جميع مظاهر نشاطها بأحكام القانون، أي أن جميع سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية لا يمكنها أن تتصرف إلا في حدود أحكام القانون، ما دامت هذه الأحكام قائمةً ولم تُلغَ أو تعدل وفقاً للشكليات وللاجراءات المحددة بنصوص قانونية أخرى

وفي واقعنا المعقد هذا والذي يشكو من غياب المعقولية والتضارب في الرؤية السياسية للدولة المنشودة، فإنه لمن المفيد التكلّم عن العناصر المكونة للدولة القانونية الديمقراطية المنشودة مع أخذ الواقع الاجتماعي والسياسي بعين الاعتبار، ورغم أنه لا يوجد ديمقراطية واحدة يمكن التكلم عنها بالتحديد، فإنه يمكن تحديد عدة خصائص تشكّل أهم ما تتمتع به الدولة القانونية الديمقراطية كتوجه يقفز فوق الإشكالية الفلسفية للديمقراطية

سيادة القانون

تُعدّ سيادة القانون أحد الأسس التي ترتكز عليها الدولة القانونية الديموقراطية، وهو مبدأ معروف منذ نشوء مفهوم الدولة، وهي الأساس الذي لا يتصور أن تشتغل آلية الديمقراطية دونه، ولكن المشكلة ليست في وجود القانون أو عدم وجوده، بل في مرجعيّة هذا القانون والمؤسسة المودع فيها، وسبل إنفاذه والمساحة التي يغطيها من حياة البشر

يتميز مبدأ سيادة القانون في السياق الديمقراطي بخضوع الدولة والأفراد للقانون، وتكون سلطة الدولة هي أولاً وقبل كل شيء سلطة قانونية، فالسلطة ليست امتيازاً لمن يمارسها، وإنما مجرد وظيفة ذات اختصاصات محددة تمارس في ضوء مجموعة من القواعد القانونية

فالقانون في النظم القانونية الديموقراطية تضعه مؤسسات محكومةٌ به ومولّدة له بآنٍ واحد، وتمتلك مرجعية أخلاقية معينة يجب التنظير لها والاتفاق عليها بما يتلاءم مع المجتمع السوري ويراعي عاداته وتقاليده وينسجم معها.كما يجب التفكير في المؤسسات التي سيودع فيها القانون وشكلها وآليات عملها والمساحة المُثلى التي ستُترك للدولة مقابل التي ستُترك للمؤسسات المدنية وتلك التي ستترك للفرد والضمير

التمثيل

لا شك أن النظم القانونية الديمقراطية متفوّقة على سواها من النظم الأُخرى لأنها تمثّل إرادة الشعب، فبينما كانت القرارات تصدر من قبل فرد واحد أو مجموعة صغيرة من الأفراد، أضحى الناس في ظلّ الديمقراطية يطيعون إرادة الشعب ذاته من خلال المشاركة بالتصويت والانتخاب.إلا أن مسألة التمثيل ظهرت كأزمةٍ ومسألةٍ مهمة يجب الالتفات اليها في الديمقراطيات الحديثة، وتجلت الأزمة في عدة مظاهر، كالنسب المتدنية للمشاركة في الانتخاب، وخضوع معظم المفاصل الحساسة في حياة المجتمع الحديث لطبقة الفنيين (التكنوقراط) التي تفرض رأيها الفني حكماً من غير مشاورة، ناهيك عن تسييس هذه القرارات واستعمال الدعاية المضللة

والمقصود من التذكير هنا أن نتفكر في الآلية التي يتم فيها تمثيل الناس وموضع السلطة ومساحة صلاحياتها، بمعنى آخر … ما هي طريقة التمثيل المناسبة للمجتمع السوري المؤلف من اثنيات وأعراق متعددة؟

على سبيل المثال، فالنظام الانتخابي الذي لا يحدد مناطق انتخابية بتمثيل إقليمي محدد والذي يعطى سلطة متوازنة للدوائر الانتخابية الأصغر سيساعد على حل مشكلة حماية الأقليات، والقلق من منع الناس من التصويت في المناطق ذات الاغلبية الاثنية الواحدة سيزول لو كانت هناك مناطق جغرافية محددة لكل منها نائب يمثلها في البرلمان، حينئذ لن يكون ضعف نسبة التصويت أمراً ذا بال، لأن أهالي كل منطقة سيكون لهم من يمثلهم في كل الأحوال

بينما يعتمد نظام التمثيل النسبيّ على أن كل مجموعة بشرية ستصوت بناءً على خلفيتها الإثنية، ما يضعنا في موضع المخاطرة، بحيث يكون السبيل الوحيد لكي تحمي باقي الإثنيات نفسها هو أن تفعل بالمثل، ممّا قد يضطرّ الفرد أن يصوّت اعتماداً على انتماء المرشّح الإثنيّ دوناً عن قناعته به

اللامركزية وفصل السلطات

مبدأ اللامركزية مبدأ قديم مارسته كثير من إمبراطوريات التاريخ، بل لعله كان النموذج الغالب لأسباب كثيرة أهمها عدم توفر الوسائط المادية للسيطرة المركزية مع اتساع رقعة الدولة، وتعرّف اللامركزية بالمعنى القانوني بأنها تفويض الإدارة المركزية السلطات المناسبة إلى الإدارات البعيدة عنها جغرافياً للقيام بمهام معينة عهدت بها إليهم، ولــذا فإنه يُنظر عادةً إلى اللامركزية على أنها ترتيبة تنظيمية ضرورية من أجل عدم تركيز قدرات التحكم في أيدي قلّة

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مجرد فصل السلطات النظريّ أو مجرد فصل السلطات كتصميم في شكل النظام السياسي لا يضمن بالضرورة الفصل الكامل الفعلي، إذ أنه يمكن أن تنشأ علاقات غير رسمية تربط بين هذه السلطات، وإن كانت غير قانونية وغير ديمقراطية في نتائجها، والمثال المعروف في هذه الأيام هو دور المال السياسي في التصويت وفي تمويل الحملات الانتخابية والذي يقلّص مسافة الفصل هذه، ومثل ذلك جماعات الضغط التي تعتمد حكماً على المال، وأيضاً ذلك الدور المتزايد للإعلام وقدرته الكبيرة على توجيه الرأي العام والذي تلعب فيه المصالح دوراً كبيراً، الأمر الذي يجعل قضية افتراض الفصل التام في النموذج الديمقراطي قضية نسبية لا تنطبق بالكامل مع الواقع

ويجب أن نلحظ أيضاً أن هناك درجات متفاوتة في لامركزية الأنظمة الديمقراطية الحديثة، وأن درجة وشكل اللامركزية الأمثل له علاقة بالامتداد الجغرافي والتوزع السكاني والتنوع الثقافي والتكامل الاقتصادي لأصقاع البلاد

أما مبدأ الفصل بين السلطات فيعتبر واحدًا من المبادئ شديدة الأهمية في النظم السياسية الديمقراطية، بحيث لا تحظى إحدى السلطات بالهيمنة على السلطات الأخرى، الأمر الذي يؤدي إلى استبداد هذه السلطة المهيمنة على ما عداها من سلطات

ولا يعني الفصل بين السلطات بالضرورة الانفصام التام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بل إن تطور المبدأ قد حوله إلى مبدأ توازن بين السلطات وليس الفصل التام بينها

ويوجد اجماعٌ على ضرورة استقلال السلطة القضائية، أي تمتعها بالانفصال أو عدم التبعية لأي من السلطتين التشريعية والتنفيذية، بغض النظر عن طبيعة العلاقة بين السلطتين الأخريين، ففي النظم الديمقراطية، تحظى السلطة القضائية بالاستقلال مهما كانت طبيعة النظام السياسي رئاسيًا أم برلمانيًا، ومهما كانت طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية التي تحقق التوازن بينهما

يتحقق التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وفقًا لنمطين من أنماط النظم السياسية، ففي النظم البرلمانية، يتحقق التوازن من خلال الدمج بين السلطتين، ومنح كل منهما حق الإطاحة بالأخرى، في حين يتحقق التوازن في النظم الرئاسية من خلال الفصل بين السلطتين، ومنع أي منهما من القدرة على الإطاحة بالأخرى قبل انقضاء المدة المقررة للبرلمان أو للرئيس

ففي النظم البرلمانية، يحظى البرلمان بحق سحب الثقة من الحكومة (السلطة التنفيذية)، وتستطيع السلطة التنفيذية حل البرلمان (السلطة التشريعية) واجراء انتخابات جديدة.وفي النظم الرئاسية، لا يتمتع البرلمان بسلطة سحب الثقة من الوزراء ولا من رئيس الجمهورية، ولا يمكن للرئيس -في المقابل- حل البرلمان واجراء انتخابات جديدة قبل انتهاء مدة البرلمان ، وفي كلا النمطين، يحظى القضاء بالاستقلال عن كل من السطة التشريعية والسلطة التنفيذية

وقد نجح هذان النمطان في الاستمرار كنمطين رئيسيين للنظم السياسية، إلى جانب النمط شبه الرئاسي، والذي يمنح البرلمان سلطة سحب الثقة من الحكومة، ويمنح الرئيس المنتخب حق حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة قبل أن يكمل المجلس مدته، وقد فشل النمط الذي كان يدمج بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في إطار ما يسمى بالنمط المجلسي أو نمط الجمعية لأنه جعل البرلمان يهيمن على الحكومة السلطة التنفيذية بحيث تتحول إلى لجنة تابعة للبرلمان الأمر الذي أخل بالتوازن المطلوب، وعجل بانهيار مثل هذه الأنماط كما حدث في الاتحاد السوفيتي، حيث كانت الحكومة تابعة لمجلس السوفيت الأعلى الذي كان يمثل البرلمان

ويُقرَّرُ مبدأ الفصل بين السلطات أو التوازن فيما بينها على قاعدة تمايز الوظائف التي يؤديها كلٌّ منها، فالسلطة التشريعية منوط بها سن القوانين أو وظيفة التشريع أي صنع القوانين التي يتم تطبيقها من خلال السلطة التنفيذية المسؤولة عن وضع هذه القوانين موضع التطبيق أو التنفيذ

وتحظى السلطة القضائية بوظيفة الفصل في المنازعات التي تثار عند تطبيق القوانين

ولا يجوز أن تتداخل هذه الوظائف، بل يجب أن تضطلع كل منها بوظيفتها دون الافتئات على وظائف السلطات الأخرى.ولعل إشكالية فصل السلطات وضرورة هذا الفصل تظهر عندما يكون لهذه السلطات قدرة كبيرة على الإنفاذ، كما هو الحال في المجتمعات الحديثة، حيث تكون قوة السيطرة لأي مؤسسة من مؤسسات المجتمع الحديث قوة كبيرة، فإذا اجتمعت كلها ولم تُفْصل تحوّلت إلى قوة مُخيفة،  وكذلك فإن التعقيد والتداخل في تنظيم المجتمعات الحديثة يقتضي بالضرورة وجود درجة عالية من الفصل بين السلطات

وفي ظل الحالة المعقدة التي تدور حول ممكّنات تطور الوضع في سورية، فإن الموضوع لا يدور حول ضعف الحلول الداخليّة البديلة في سورية والذهاب لتوخي حلول خارجية، لأن العملية الديمقراطية يجب أن تكون نتاج للفعل الإرادي والداخلي للمواطن السوري والتطور المجتمعي من حيث آلية تكون الديموقراطية، وعلى هذا فإن التعثر في إنجاز المشروع الديمقراطي متوقع في ظل ضعف القوى الديمقراطية التي عانت لأربعين عاماً من الملاحقة والقمع، و ممارسة مختلَف ضروب المنع والتضييق والملاحقة والاعتقال والمحاكم الاستثنائية وفرض حالة الطوارئ بأعتى صورها ضد كل أطياف المعارضة وفي شتى الميادين فكراً وثقافة وفناً وسياسة. ما انعكس سلباً على تطوير كوادرها وارتباطاتها الجماهيرية

والسؤال حول الأدوات المستخدمة في الصراع الديمقراطي يعيد نفسه دائماً، لأن إحداث الديمقراطية وفق خبرات الشعوب هو فعل تراكمي لكنه حتمي بالنتيجة، إن الديمقراطية أولاً وأخيراً فعل داخليّ بامتياز، والتدخل الخارجي يجب أن يقتصر على تهيئة المناخات والإسناد المعنوي دون اللجوء إلى فرض الديموقراطية، ففرض الديمقراطية بحد ذاته هو شيئ مناهض للديمقراطية ذاتها ومتعارض مع جوهر الفكرة الديمقراطية، إن عملية التخلص من الديكتاتوريات والتحول إلى دولة قانونية ديموقراطية في سوريا ليس بالأمر السهل، ولا بد أن تعتريه الكثير من النواقص والتناقضات، وقد يسقط في الكثير من المطبّات المحتملة، ويبقى الحكم على التجربة الديموقراطية من حيث أنها تجربة مجتمعية يحتاج إلى وقت ليس بالقصير، وربما لن تتحقق الفائدة منها إلا بعد أكثر من عملية تداول للسلطة في ظل دولة يسودها القانون وانتخابات نزيهة تنتج سلطات شرعية

المحامي رائد غنوم

Leave A Comment

Click Here To Translate »
Comodo SSL