Latest news
التجمع الوطني الديمقراطي السوري:--مرياعٌ وحمارٌ وكلبٌ وقطيعٌ… وأحَدُ خيارين

مرياعٌ وحمارٌ وكلبٌ وقطيعٌ… وأحَدُ خيارين


د. جورج توما


بعد أَنْ تَعمَقت في دراسة الطب الشمولي، وتعرفت على ما تيسَر لي من أسرار ثـــنـَويّةِ هذا الكون ، كالضِديَّة الحاكمة لتوازنه وثبات النظم التي تكفل سير مكوناته بدقة متناهية (كالقوة الجاذبة والنابذة، وسواها من قوى الطاقة بأشكالها المختلفة ومنها الطاقة الحيوية التي تفعلّ الحياة في الانسان)، أصبحت أكثر مقدرة على تفسير بعض الظواهر التي أستنير بها

فعندما أقرأ بعض المقالات التي تحلل أوتنتقد أو تمجدَ الأنظمة الحاكمة في الدول العربية، أزداد يقيناً بأن واقع الحال – في يومنا هذا- هو ذات الواقع المسطور في مليارات الصفحات التي تؤرخُ ماضي هذه الأمة. فللناموس الكوني نظاماً واحداً لايتبدل عبر الزمان والمكان

وهنا سأتعرًّضُ إلى علاقة الحكام العرب بشعوبها، وكيف تـُـسَــاسُ هذه الدول والشعوب. وكمدخل لهذا المبحث سأستعين بمثال يساعدنا على فهم هذه العلاقة الناظمة لمجتمعنا،. والمثال مأخوذ من العلاقة الفطرية عند بعض الكائنات التي نتشارك معها في الحياة على هذا الكوكب، والتي تخضع، مثلنا، لنفس قوانين الناموس الكوني

إذا رأيتم قطيعاً من الغنم في المرعى، سوف تشاهدون في المقدمة (المرياع)، ذلك الكبش المهيوب بكثافة صوفه وحجمه الضخم وقرونه الملفوفة المرعبة. إنه قائد القطيع. وقصة حياة هذا القائد مختلفة عن حياة أتباعه… لقد رُسم له مسبقا،ً من قبل جهة ما ( فلنقل أنها صاحبة المصلحة في استغلال القطيع) ليكون هذا الكبش قائداً. لذلك يقومون بعزله عن أمّه يوم ولادته. ويُسـقى من حليبها دون أن يراها، ويوضع مع أنثى حمار ليرضع منها برضّاعة صناعيّة. وكذلك يوضع في خرجها وهو صغير حتّى يَعتقد أنّها أُمّه. فتبدأ حياته مع (الحمار) سلوكاً ونهجاً. وبعد أن يكبر، يُخصى حتى لا يفكر بأن يترك القياده، ويتلهى بلذة النكاح. ولا يُجزّ صوفه (للهيبة) وتنمو قرونه ليبدو ضخماً ذا رهبه، ويبدأ الذي رسمه للقيادة، بزركشته بالالوان الزاهية من قطع القماش والشرائط المزركشة. وتُعلّق حول عنقه الأجراس الطنّانة والرنّانة ليعتقد هذا المرياع بأن الأوسمة قد بدأت تنهال عليه حتى ينسى بأنه فاقداً لذكورته. ولكونه قد تربى وتعلم مع الحمار، فسبيقى في كنف الحمار منقاداً، فأينما ذهب الحمار فهو خلفه… وإن جلسَ الحمار فهو جالس بجانبه، أما باقي القطيع – إناثاً وذكوراً- فتنظر اليه بإعجاب، وتسير خلف المرياع اعتقاداً منها بأنه القائد الفذ الملهم الذي سيأخذهم الى مواسم الخير والبركة

أليس هكذا تربى قادة أمتنا المرسومين مسبقاً لتولي قيادة القطيع في يوم ما

وهنا لابدَّ وأن نعرّج قليلاً على سيرة الحمار السياسية. ففي ميثولوجيا معظم الحضارات القديمة للحمار قداسة واحتفاءً شديداً بهذا الكائن وتمَّ استغلالُ خصائصه الفيزيولوجية والنفسية لتنفيذ أصعب المهام وأعطوه لقب « مهندس الطرقات»، نظراً لدوره الكبير في إيجاد مجموعة من الطرق في المناطق ‏الجبلية، حيث يتم إطلاقه ليقتفي أسهل الطرق وأكثرها اقتصادا للجهد وأكثرها أمنا. ولقد خصص حمورابي للدواب كافةً حقوقاً مدنية وعقوبات لمن يُجهِدُها ويتسبب في موتها.  ولطالما أُقحِمَ الحمارُ أيضاً، في عالم السياسة من قبل الكثير من الشعوب القديمة. وسأقتصر هنا على ذكر بعضها في تاريخ البشرية الحديث. مثلاً شعار الحزب الديمقراطي الأمريكي هو الحمار. ففي العام 1828، اختار المرشح الديمقراطي لخوض سباق الرئاسة آنذاك أندرو جاكسون شعار “لنترك ‏الشعب يحكم”، ونعته الجمهوريون بـ”آندرو جاكاس” ما يفسر بـ(آندرو الحمار) ساخرين من هذا الشعار ووصفوه بأنه شعبوي ‏ورخيص، فما كان من جاكسون إلا أن اختار حماراً رمادي اللون جميل المظهر، وألصق على ظهره شعار حملته الانتخابية وقاده ‏وسط القرى والمدن المجاورة لمسكنه من أجل الدعاية لبرنامجه الانتخابي الشعبي ضد منافسه الذي كان يظهر على أنه نخبوي وليس ‏قريبا من هموم الناس.‏ وكذلك استُعمل الحمار كمهندس من قبل فرقة عسكرية فرنسية في عهد الاستعمار في شمالي أفريقيا واتُبعت خطواته باستعمال الجير لرسم المنعرجات.‏ وفي نهاية القرن المنصرم، شهد الكيان الصهيوني في فلسطين، جدلاً حول استعمال كلمة أحمرة (جمع حمار) من طرف المتدينين على العلمانيين الصهاينة مؤسسي الدولة، عبارة شومورو شال المشيا (حمار المسيح) استعملها رابي أفرام كوك، كنوع من المهمة التي أمر بها الله علماني اليهود بخلق وطن، لكن قدر الدولة هو وقوعها في يد المتدينين، ولا يبقى العلمانيون سوى الأحمرة التي ركبها المتدينون، وكان كتاب العلماني سيفي ريشليفسكي، 1998، وراء هذا الجدل. وفي التقويم الجمهوري الفرنسي، يعتبر يوم 6 أكتوبر من كل عام هو يوم الحمار

 

وعودةً إلى حكاية هذا الكبش القائد التي لم تنتهي بعد…  فإذا سار المرياع سار القطيع وراءه معتقداً أنّه يسير خلف زعيمه البطل، لكن المرياع ذو الهيبة البهية والأوسمة الرنانة، لا يسير إلاّ إذا سار الحمار ولا يتجاوزه أبداً. ولكن الكبش القائد يحتاج إلى حفظ أمن القطيع أثناء هذه المسيرة، وضبط المتمردين عليه من الخراف التي ستنشق عنه، ولأنه بالفطرة يعرف أن الخراف تخاف من الكلاب، فيقيم الكبش القائد علاقة وطيدة بينه وبين بعض الكلاب ويصبحوا حلفاً واحداً (كمنظومة الأمن والمخابرات) للتعاون في سبيل سير الجميع على خُطى الحمار، ومعاقبة كلّ من تسوّل له نفسه الخروج عن وحدة الصف

ومما نستنتجه من هذه المقاربة بين حالة القطيع والشعوب العربية، نرى أنَّ الادراك والوعي الذي حباه الخالق للانسان دون سائر الكائنات، هو الذي يقود الشعوب إلى الثورة على حكامها الذين تربوا على نمط المرياع تحت اشراف الدول التي لها مصالح في ثروات هذه الشعوب. وكذلك في المقلب الآخر، نرى أن شعوب تلك الدول صاحبة المصلحة، تحكمها وتستغلها كبوشاً ونعاجاً بطرق عجائبية أخرى

فكم من أنبياء أُرسلوا لهداية البشرية وتصويب أخلاقها؟ وكم من فلاسفة وحكماء عظام ارتقوا لمستوى الرسل لتصحيح ما يخالف الناموس الكوني؟ وفشل الجميع في توحيد أخلاقية الشعوب وتقويم منهجها، وذلك لأن الثنوية والضدية (كالخير والشر) هما من خياران وحيدان للبشرية، و لا ثالث لهما… فإما الثورة على الطاغية أو السير كالقطيع معه وليس من مساحة رمادية بينهما. ولكن لله في خلقه شؤون

Leave A Comment

Click Here To Translate »
Comodo SSL