Latest news
التجمع الوطني الديمقراطي السوري:--مدارس السريان وغريزة الشمولية العمياء

مدارس السريان وغريزة الشمولية العمياء

 ثمة ما هو غير معقول في قرار الإدارة الذاتية “الكُردية” بإغلاق الكثير من المدارس الخاصة المُرتبطة بالهيئات الملية للطوائف المسيحية في مختلف مُدن مُحافظة الحسكة، لأنها رفضت الحصول على التراخيص اللازمة من مؤسسات هذه الإدارة، ورفضت تدريس مناهج تربوية صادرة عنها. هذه القرارات غير معقولة من حيث دورها، ودورِ ما يُشابهها من سلوكيات، في تلطيخ الصورة التي تحاول هذه الإدارة بثها عن نفسها، كتجربة مدنية “استثنائية”، مختلفة جذرياً عن سياقات ومؤسسات النِظام السوري، وكذلك عن تجارب قوى المُعارضة السورية في مناطق سيطرتها، التي أظهرت هالات من المُحافظة والقمع المُجتمعي.

فهذه الإدارة مُنذ تأسيسها كانت تستميت في سبيل نشر خِطاب رومانسي فوقي عن أخوة الشعوب والأمة الديمقراطية وروح التنوع واحترام مُختلف الحساسيات المُجتمعية وتطلعاتها. كانت تسعى لأن تقول بأن هذا الخِطاب هو البُنية التحتية لمشروعها السياسي وتطلعاتها المُستقبلية، في مناطق حُكمها، وكامل سوريا.

فوق ذلك، فأن هذه الإدارة اعتقدت على الدوام بأن شبكة علاقاتها الدولية، سواء السياسية والعسكرية مع الولايات المُتحدة والدول الأوربية، أو الثقافية والرمزية، مع المؤسسات والقوى اليسارية والمدنية الأوربية والأمريكية والعالمية، أنما تخلق لها تلك الشبكة مظلة ونموذجاً خاصاً، يمتاز بالحداثة والمدنية والتقدمية، مختلفة تماماً عن تجارب باقي المناطق السورية، التي وقعت في براثن “الرجعية”.

لكن يبدو أن كُل ذلك لم يكن ذا معنى، فالإدارة الكُردية ظلت تستخدم وتستفيد من كل ذلك لصالح مشروعها السياسي الأعم، المتعلق بالهيمنة المُطلقة على المُجتمع، أو المُجتمعات، الواقعة تحت سيطرتها العسكرية. عبر الهيمنة السياسية والأمنية والعسكرية على كافة القوى والتنظيمات السياسية من طرف، وعبر الهيمنة الرمزية والإيديولوجية على مختلف الحساسيات المُجتمعية والثقافية والجمعية الأخرى. شيء تقليدي من تُراث الشمولية، يوظف الهيمنة المادية على المُجتمعات والمؤسسات لصالح الهيمنة الرمزية والثقافية، ويستخدم هذه الهيمنة الأخيرة في سبيل الهيمنة الأولى.

تفعل الشمولية ذلك لتُريح نفسها من عناء المُنافسة والمزاحمة، ولأن تختلق فضاء من الانسجام الداخلي، لأن تتفرغ لما تعتقده، أو تتوهمه، من معركة ومنازلة كُبرى. أو تتخيله من إعادة هندسة للبُنى والقوى والخيارات المُجتمعية، لتكون مُتطابقة مع الرؤية الساذجة لأية شمولية تجاه المُجتمع والجماعات والقوى العامة، كبناء مُشيد على التشابه حد التطابق.

هل من تفسيرات أخرى لقرارات الإدارة الذاتية الكُردية تجاه مدارس السريان سوى ذلك!!.

 ففي وقت يدخل فيه التيار السياسي القائد لهذهِ الإدارة في مُنازلة كُبرى مع القوى الإقليمية والدولية، وينخرط في تفاصيل قضايا تتعلق بمُستقبل سوريا والمنطقة استراتيجياً، ويدخل في معارك وحروب إلى جانب الولايات المُتحدة وقوى التحالف الدولي، ويقف في وجه الاستراتيجية التُركية الخاصة بقمع تطلعات ملايين الأكراد، ضمن حدودها وفي دول الجوار، وفي ظلال التحولات الإقليمية التي تؤثر على موقع ودور هذا التيار وجودياً.

  في هذا الوقت، ومع كُل ذلك، وفوقه، يلتفت لملف بالغ الهامشية، مقارنة بتلك الملفات الإقليمية والدولية العُظمى، كملف المدارس الخاصة المرتبطة بالمجالس الملية، لتعيش معركة إضافية مُختلقة، تُسيء جوهرياً إلى شعبيتها والقبول بشرعيتها وصورتها وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية والثقافية التي تم سردها.

خصوصاً، وأن مؤسسات هذه المدارس كانت غير ذات تأثير أو دورٍ على أفعال وتوجهات وخيارات هذه الإدارة. لكن فقط لم يكن مُسيطراً عليها بالمُطلق من قِبلها، مادياً ورمزياً.

عدم السيطرة تلك، كانت تُثير الغريزة الشمولية المُستبطنة للإدارة الذاتية، تلك الغريزة التي تبدو ككُل غريزة أخرى، عمياء وصماء، لا ترى العوامل الموضوعية المُحيطة بها، ولا تسمع أية نصيحة أو تحليل، ترى في نفسها الكمال والحتمية.

صحيح أنها رُبما تراجع وتهادن وتتمهل بين فترة وأخرى، ليس بتأثير حساسية النظر والسمع، لكن فقط تأثراً بغريزة أخرى، تُسمى الخوف. لكن حالات التراجع والمهادنة لا تعني عدم البقاء والإصرار  والاستمرار في مسارها التقليدي المُستقيم.

لأجل ذلك بالضبط، لأجل تلك الغريزة التي في صميمها، فأن الشمولية كانت تحفر قبرها بيدها على الدوام. ولأسف بالغ، كانت معه تحفر قبور الكثيرين من ضحاياها في ذات الوقت.


التاريخ: 
فى :برنامجسياسوريا
By | 2018-10-08T08:58:26+00:00 October 8th, 2018|Categories: Culture-ثقافة|0 Comments

Leave A Comment

Click Here To Translate »
Comodo SSL